الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

89

مختصر الامثل

التعامل المنطقي مع المعارضين : الآيات السابقة تعرّضت لقضية المبدأ والمعاد ، أمّا الآيات التي نحن بصددها فهي توضّح أسلوب المحادثة والاستدلال مع المعارضين وخصوصاً المشركين ، لأنّه مهما كان المذهب عالي المستوى ، والمنطق قويّاً ، فإنّ ذلك لا تأثير له ما دام لا يتزامن مع أسلوب صحيح للبحث والمجادلة مرفقاً بالمحبة بدلًا من الخشونة ، لذا فإنّ أوّل آية من هذه المجموعة تقول : « وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُوا الَّتِى هِىَ أَحْسَنُ » . الأحسن من حيث المحتوى والبيان ، والأحسن من حيث التلازم بين الدليل ومكارم الأخلاق والأساليب الإنسانية ، ولكن لماذا يستعمل هذا الأسلوب مع المعارضين ؟ الجواب : إذا ترك الناس القول الأحسن واتبعوا الخشونة في الكلام والمجادلة ف « إِنَّ الشَّيْطنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ » ويثير بينهم الفتنة والفساد ، فلا تنسوا : « إِنَّ الشَّيْطنَ كَانَ لِلْإِنْسنِ عَدُوًّا مُّبِينًا » . وكلمة « عبادي » خطاب للمؤمنين ، حيث تعلّمهم الآية أسلوب النقاش مع الأعداء ، فقد يحدث في بعض الأحيان أن يتعامل المؤمنون الجدد بخشونة مع معارضي عقيدتهم ويقولون لهم بأنّهم من أهل النار والعذاب ، وأنّهم ضالون ، قد يكون هذا الموقف سبباً في أن يقف المعارضون موقفاً سلبياً إزاء دعوة الرسول صلى الله عليه وآله . إضافة لذلك ، فإنّ الاتهامات التي يطلقها المشركون ضد شخص رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ويتهمونه فيها بالسحر والجنون والكهانة والشعر ، قد تكون سبباً في أن يفقد المؤمنون السيطرة على أنفسهم ويبدأوا بالتشاجر مع المشركين ويستخدموا الألفاظ الخشنة ضدّهم . . . القرآن يمنع المؤمنين من هذا العمل ويدعوهم إلى التزام اللين والتلطّف بالكلام واختيار أفضل الكلمات في أسلوب التخاطب ، حتى يأمنوا من إفساد الشيطان . الآية التي بعدها تضيف : « رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ » . وفي آخر الآية مواساة للرسول صلى الله عليه وآله الذي كان يتأذى ويتألم من عدم إيمان المشركين ، إذ يقول تعالى : « وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا » . إنّ مسؤوليتك - يا رسول اللَّه - هي الإبلاغ الواضح ، والدعوة الحثيثة نحو الحق ، فإذا آمنوا فهو الأفضل ، وإن لم يؤمنوا فسوف لن يصيبك ضرر . الآية التالية ذهبت أكثر من الآية السابقة في التعبير عن إحاطة اللَّه تبارك وتعالى وعلمه بأعمال ونيات عباده ، فقالت : « وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِى السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » . ثم أضافت :